الشيخ محمد عبده
15
رسالة التوحيد
يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة ، وكالتصديق بالرسالة نفسها ، كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم ، فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل . جاء القرآن يصف اللّه بصفات - وإن كانت أقرب إلى التنزيه مما وصف به مخاطبات الأجيال السابقة - فمن صفات البشر ما يشاركها في الاسم أو في الجنس 9 ، كالقدرة والاختيار والسمع والبصر ، وعزا إليه أمورا يوجد ما يشبهها في الإنسان ، كالاستواء على العرش ، وكالوجه واليدين ، ثم أفاض في القضاء وفي الاختيار الممنوح للإنسان ، وجادل الغالين من أهل المذهبين ، ثم جاء بالوعد والوعيد على الحسنات والسيئات ، ووكل الأمر في الثواب والعقاب إلى مشيئة اللّه ، وأمثال ذلك مما لا حاجة إلى بيانه في هذه المقدمة . فاعتبار حكم النقل ، مع ورود أمثال هذه المتشابهات في العقل ، فسح مجالا للناظرين ، خصوصا ودعوة الدين إلى الفكر في المخلوقات لم تكن محدودة بحد ، ولا مشروطة بشرط ، للعلم بأن كل نظر صحيح فهو مؤد إلى الاعتقاد باللّه على وصفه بلا غلو في التجريد ، ولا دنو من التحديد 10 . مضى زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو المرجع في الحيرة ، والسراج في ظلمات الشبهة ، وقضى الخليفتان بعده ما قدر لهما من العمر في مدافعة الأعداء . وجمع كلمة الأولياء ، ولم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم ؛ ليبتلوها بالبحث في مباني عقائدهم ، . . وما كان من اختلاف قليل رد إليهما ، وقضى الأمر فيه بحكمهما ، بعد استشارة من جاورهما من أهل البصر بالدين إن كانت حاجة إلى الاستشارة . وأغلب الخلاف كان في فروع الأحكام لا في أصول العقائد . ثم كان الناس في الزمنين يفهمون إشارات الكتاب ونصوصه ، يعتقدون بالتنزيه ، ويفوضون فيما يوهم التشبيه ، ولا يذهبون وراء ما يفهمه ظاهر اللفظ 11 . كان الأمر على ذلك إلى أن حدث ما حدث في عهد الخليفة الثالث وأفضى إلى قتله . هوى بتلك الأحداث ركن عظيم من هيكل الخلافة ، واصطدام الإسلام وأهله صدمة زحزحتهم عن الطريق التي استقاموا عليها ، وبقي القرآن قائما على صراطه 12 ( 15 : 9 إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) وفتح للناس باب